بقلم حسن النجار

بقلم حسن النجار.. محمد صلاح نموذج النجاح الذي ألهم أجيالًا عربية كاملة

حسن النجار كاتب صحفي ومفكر سياسي في الشؤون الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

الوطن اليوم – بقلم حسن النجار – 29 مايو 2026 

بقلم | حسن النجار 

لم يكن مشهد وداع النجم المصري محمد صلاح لجماهير ليفربول على ملعب “أنفيلد” مجرد لحظة رياضية عابرة، بل كان مشهدًا إنسانيًا مهيبًا، اختلطت فيه الدموع بالتصفيق، والحب بالامتنان، والتاريخ بالمشاعر الصادقة.

فالهتافات التي ملأت المدرجات، واصطفاف زملائه لتحيته، وظهور أسرته بجواره، كلها تفاصيل أكدت أن “مو صلاح” لم يكن مجرد لاعب كرة قدم ناجح، بل أصبح حالة استثنائية صنعتها الأخلاق قبل الأهداف، والإنسانية قبل البطولات.

الحقيقة أن تجربة محمد صلاح تتجاوز كثيرًا حدود المستطيل الأخضر، لأنها تقدم نموذجًا ملهمًا للشباب العربي في زمن أصبحت فيه الشهرة أحيانًا طريقًا للضياع، بينما اختار صلاح أن يجعلها طريقًا للقيم والاحترام والوعي.

لقد خرج ابن قرية نجريج من بيئة بسيطة، يحمل حلمًا كبيرًا وإرادة لا تعرف المستحيل، حتى وصل إلى قمة كرة القدم العالمية، لكنه رغم كل هذا المجد لم يفقد ملامحه الأولى، ولم يتخل عن بساطته أو هويته. وهذه واحدة من أعظم الرسائل التي يقدمها صلاح للأجيال الجديدة؛ أن النجاح الحقيقي لا يعني أن تنسلخ من جذورك، بل أن ترتقي بها وتمنحها حضورًا عالميًا يليق بها.

ومن أكثر ما يلفت الانتباه في شخصية محمد صلاح قدرته على تحقيق التوازن بين انفتاحه على المجتمع الغربي وتمسكه بقيمه وثقافته ودينه دون صدام أو استعراض. فقد قدم صورة راقية للمسلم العربي القادر على التعايش واحترام الآخرين دون أن يتخلى عن معتقده أو خصوصيته. كان يحتفل مع المجتمع الذي يعيش فيه بأعياده ومناسباته في إطار إنساني راقٍ، مؤكدًا أن قوة الهوية لا تُقاس بالانعزال، بل بالثقة والاحترام والتسامح.

بقلم حسن النجار.. محمد صلاح نموذج النجاح الذي ألهم أجيالًا عربية كاملة
بقلم حسن النجار.. محمد صلاح نموذج النجاح الذي ألهم أجيالًا عربية كاملة

كما أن صلاح، وعلى عكس كثير من مشاهير العالم، أدرك مبكرًا أنه قدوة لملايين الشباب، ولذلك اختار بعناية الصورة التي يقدمها عن نفسه. فلم يكن حضوره الإعلامي قائمًا على الصخب أو المظاهر الفارغة، بل على الاجتهاد والانضباط والالتزام. وحتى في إجازاته الخاصة، كانت الصور التي يظهر فيها وهو يقرأ الكتب أو يمارس حياته الطبيعية تحمل رسالة ضمنية تؤكد أهمية تطوير الذات والوعي والثقافة.

لقد نجح محمد صلاح في أن يكون سفيرًا حقيقيًا لمصر والعرب والمسلمين أمام العالم، ليس عبر الكلمات والشعارات، بل بالسلوك والعمل والتواضع. فأصبح اسمه مرتبطًا بالنجاح النظيف، والاحترام، والإنجاز القائم على الجهد، وهي قيم أصبحت نادرة في عالم تسيطر عليه المظاهر السريعة والشهرة المؤقتة.

إن ما تعلمناه من محمد صلاح لا يتعلق فقط بكيفية تسجيل الأهداف أو حصد البطولات، بل بكيفية صناعة الإنسان الناجح المتوازن القادر على الجمع بين الطموح والأخلاق، وبين العالمية والانتماء، وبين الشهرة والتواضع.

ولهذا سيبقى “مو صلاح” أكثر من مجرد لاعب كرة قدم عظيم، بل قصة ملهمة ستظل حاضرة في وجدان الملايين لسنوات طويلة.

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى